Back

شراكة استراتيجية في خضم حالة عدم اليقين الإقليمية

هولندا والعراق وإقليم كوردستان:
شراكة استراتيجية في خضم حالة عدم اليقين الإقليمية

استضافت مؤسسة الشرق الأوسط للبحوث (MERI) حوارًا سياسيًا مثيرًا للاهتمام مع جانيت ألبردا، سفيرة هولندا لدى العراق، والذي جاء بالتزامن مع انتهاء فترة خدمتها التي استمرت عامين في بغداد. إن السفيرة ألبردا ليست غريبة على المؤسسة فهي شغلت سابقًا منصب القنصل العام في أربيل (2016–2018)، لذا فإن هذا النقاش يمثل استمرارًا لعلاقة طويلة الأمد مع المؤسسة.

وقد جمع هذا اللقاء مجموعة مختارة من كبار المسؤولين وخبراء السياسات وممثلي المجتمع المدني والممارسين في هذا المجال، حيث تبادلوا الآراء بصراحة حول التحديات السياسية الأكثر إلحاحًا التي يواجهها العراق. وتناول الحوار، الذي جرى جزءًا منه وفقًا لقاعدة تشاتام هاوس*، مجموعة واسعة من القضايا الاستراتيجية المتعلقة بسياسة هولندا والاتحاد الأوروبي في العراق وإقليم كوردستان في مجالات الأمن والاقتصاد والهجرة وحقوق الإنسان، فضلاً عن التداعيات الإقليمية للتوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران.

علاقة أربيل – بغداد: تقدم بطيء

لاحظت السفيرة أن «القضايا نفسها لا تزال مطروحة على الطاولة منذ عام 2016»، بما في ذلك مسائل النفط والرواتب والإيرادات والمادة 140 كذلك قضية النزوح. وأضافت “العراق بلد واحد، ويجب على كل من بغداد وأربيل أن يجعلا النظام الفيدرالي يعمل.”

وبالنسبة لإقليم كوردستان، يتطلب ذلك وجود حكومة وبرلمان فعالين. غالبًا ما يقدم إقليم كوردستان نفسه على أنه شريك مستقر ومؤيد للغرب، لكن الشلل المؤسسي المطول يقوض مصداقيته وموقفه التفاوضي وقدرته على جذب دعم دولي مستدام. ولذلك، فإن فعالية المؤسسات ليست مجرد مطلب داخلي فحسب؛ بل هي أيضًا مصدر لرأس المال الدبلوماسي.

كما يجب على بغداد أن تتحمل مسؤولية أكبر فيما يتعلق بقضايا النزوح، والحماية الاجتماعية، وإعادة الإعمار، وتنفيذ اتفاق سنجار، وغيرها من التحديات. فالعراق “ليس بلداً فقيراً” ولا يمكنه الاستمرار في الاعتماد بشكل غير محدود على المانحين الدوليين لحل أزماته الداخلية. والمشكلة الرئيسية لا تكمن فقط في نقص الموارد، بل في ضعف تحديد الأولويات، وسوء التنسيق، ومحدودية المساءلة.

ولتحسين العلاقات بين أربيل وبغداد، رأى بعض المشاركين أن على القادة في كوردستان قضاء مزيد من الوقت في بغداد والانخراط المستمر في السياسة الاتحادية. فنفوذ إقليم كوردستان العراق يعتمد على التواجد المستمر، والاستعداد، والوحدة، والتفاوض الاحترافي. ولم يعد التفاوض العرضي في أوقات الأزمات كافياً؛ بل يحتاج إقليم كوردستان العراق إلى استراتيجية اتحادية دائمة.

وأثار التشرذم السياسي بين الأحزاب الحاكمة في إقليم كوردستان وضعفها في بغداد الكثير من النقاش. وفي حين أُثيرت مسألة الوساطة الخارجية كحل محتمل للمأزق السياسي الحالي في كوردستان، فقد اعتُبر النزاع متجذرًا بعمق. ولا يمكن للوساطة الخارجية أن تسهم إلا إذا ركزت على الضمانات المؤسسية بدلاً من القيام بالمصالحة بين الشخصيات. ويتطلب التقدم المستدام قواعد لتنظم الإيرادات وللأمن والإدارة ولعملية صنع القرار.

سنجار والانتقال المتعثر في مرحلة ما بعد تنظيم داعش

برزت سنجار كأحد أوضح الأمثلة على عدم اكتمال انتقال العراق من مرحلة الصراع. فقد أدى استمرار النزوح من سنجار، والصراع على السلطة، ووجود الجهات المسلحة، والفشل في تنفيذ اتفاق سنجار، إلى تزايد قتامة آفاق العودة المستدامة.

ولا يمكن لإعادة الإعمار وحدها أن تحل أزمة سنجار. فالعودة ليست مجرد مسألة إعادة بناء المنازل والطرق والخدمات العامة؛ بل تتطلب أيضًا توفير الأمن والإدارة الشرعية وتطبيق العدالة ودفع التعويضات وضمان حقوق ملكية الأراضي والحفاظ على الكرامة وضمان الثقة في المستقبل. ويمكن أن تؤدي إعادة الإعمار في غياب إطار سياسي وأمني متفق عليه إلى تعزيز قوة الجماعات المسلحة بدلاً من أن تعود بالنفع على المجتمعات النازحة.

وتناولت المناقشة أيضًا عودة وإعادة إدماج العراقيين القادمين من مخيم الهول ومخيمات أخرى في شمال شرق سوريا. ورغم أن الإعادة ضرورية من الناحيتين القانونية والأمنية، فإن بعض الناجين الأيزيديين يرون أن الأفراد والأسر المقترنة بفترة تنظيم داعش يتلقون دعماً منظماً أكثر مما يتلقاه ضحايا فظائع التنظيم. وسواء كان هذا التصور دقيقاً تماماً أم لا، فإنه ينطوي على تداعيات سياسية. ولذلك، يجب أن تصاحب سياسات إعادة الإدماج عدالة واضحة تركز على الناجين، والتعويضات، وجبر الأضرار، لمنع المزيد من التدهور في الثقة الاجتماعية.

المجتمع المدني والمرأة والإصلاح المؤسسي

أعربت السفيرة ألبردا عن قلقها من أن الفضاء المدني لم يشهد تحسناً ملحوظاً خلال العقد الماضي في العراق، وأن حضور المرأة أصبح أقل وضوحاً في صنع القرارات العامة والمتعلقة بالأمن. وكان العراق قد حظي في السابق بالثناء لاعتماده خطة عمل وطنية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325، إلا أن الالتزامات الرسمية لم تترجم إلى إشراك حقيقي. في المقابل وكمقاربة، أصبحت النساء في المملكة العربية السعودية، حيث عملت السفيرة لمدة أربع سنوات، أكثر ظهوراً في الوفود العامة والمبادرات الوطنية.

تكمن أهمية هذه المقارنة في كشف الفجوة بين الاستراتيجيات الرسمية للعراق والتأثير الفعلي للنساء. ويُظهر إقليم كوردستان أداءً أفضل إلى حد ما، لكنه يحتاج هو الآخر إلى مزيد من التقدم. وفي جميع أنحاء العراق، لا تزال النساء يعانين من نقص التمثيل في عمليات صنع القرار الجوهرية، بينما تواجه منظمات المجتمع المدني حالة من عدم اليقين القانوني، وتقلص المساحة المتاحة لها، والتعرض للترهيب من حين لآخر.

الانتقال الأمني والمشاركة الأوروبية

يثير التغيير المتوقع في التواجد العسكري الأمريكي في العراق تساؤلات حول مستقبل الشراكات الأمنية العراقية مع القوى الأوروبية الأخرى. وميزت السفيرة بين المهمة الأصلية للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش والدور الاستشاري لحلف الناتو، الذي يركز بشكل أكبر على التنمية المؤسسية. وعرضت النهج الهولندي الشامل، الذي يجمع بين «الدفاع والدبلوماسية والتنمية»، مشيرةً في الوقت نفسه إلى أن المكون الدفاعي قد يصبح أقل بروزًا.

هذا لا يعني أن التحديات الأمنية في العراق قد انتهت. صحيح أن تنظيم داعش لم يعد يسيطر على أراضٍ واسعة، لكن سلطة الدولة لا تزال تواجه تحديات من قبل الجماعات المسلحة والمؤسسات المُسيَّسة وهياكل القيادة المجزأة. وتتطلب المرحلة المقبلة إصلاح قطاع الأمن، والرقابة المدنية، والشرطة المجتمعية، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، والتوحيد التدريجي للأسلحة تحت سلطة الدولة.

وقد اُستقبلت المشاركة الأوروبية بمزيج من التقدير والإحباط. فلا شك أنه قد ساهمت هولندا ودول أوروبية أخرى بشكل كبير في المجالات التالية: المساعدة الإنسانية، والزراعة، ورعاية المشاريع، وإدارة الهجرة، وحقوق الإنسان، والشرطة المجتمعية، ومكافحة تنظيم «داعش»، وإصلاح القطاع الأمني في العراق. ومع ذلك، غالبًا ما تظل مساهمة أوروبا أقل بروزًا لأن المساعدات تتوزع بين الدول الأعضاء أو تُوجَّه عبر منظمات متعددة الأطراف.

مع دخول العراق مرحلة ما بعد قوات التحالف، يجب على أوروبا أن تتجاوز المشاريع الفنية وتطور صورة سياسية أوضح. وقد يتطلب ذلك تنسيقاً أقوى، ومشاركة رفيعة المستوى بشكل أكثر وضوحاً، وأسلوباً أوضح في بيان مساهمة أوروبا في مجال سيادة القانون، والتنويع الاقتصادي، والتكيف مع آثار تغير المناخ، والإصلاح المؤسسي، وحقوق الإنسان، والدبلوماسية المتوازنة.

الهجرة وأزمة الأمل

لا تمثل الهجرة مجرد مشكلة سياسية أوروبية فحسب، بل هي أيضًا أحد أعراض أزمة الحوكمة في العراق. وأشارت السفيرة إلى أن العراق لا يزال بلداً ذا أولوية في السياسة الأوروبية لإعادة المهاجرين، مع التأكيد على ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للهجرة. ولاحظت أن العديد من العراقيين المهاجرين إلى أوروبا لا ينتمون بالضرورة إلى المناطق الأكثر فقراً في جنوب العراق، بل إلى إقليم كوردستان، بما في ذلك منطقة رانية وزاخو. وأشارت إلى أن الدافع الرئيسي قد لا يكون الفقر وحده، بل الشعور ”باليأس“.

وغالبًا ما يتم تمويل الهجرة من إقليم كوردستان من قبل أسر قادرة على دفع أموال للمهربين، مما يشير إلى وجود أزمة ثقة أعمق أكثر من مشاكل أقتصادية. ولا يرى العديد من الشباب فرصًا موثوقة في مجالات التعليم أو التوظيف أو المشاركة السياسية أو المؤسسات العامة. ولذلك، فإن الحد من الهجرة غير النظامية يتطلب أكثر من مجرد حملات توعية واتفاقيات العودة. إنما يتطلب التوظيف الشفاف، والفرص الاقتصادية العادلة، والحكم الرشيد، وحماية الحقوق، وقيادة سياسية قادرة على إقناع الشباب بأن لهم مستقبلًا في وطنهم.

تغير المناخ والاضطراب الإقليمي

لا يُعد تغير المناخ مجرد قضية بيئية؛ فهو يؤثر على الهجرة، والأمن الغذائي، والزراعة، والصحة العامة، والعلاقات بين المحافظات، والاستقرار العام في المناطق الحضرية. ويُعد الجفاف، والتلوث، ودرجات الحرارة المتطرفة، وتدهور البيئة من التهديدات الرئيسية طويلة الأمد التي قد تؤدي إلى نزوح داخلي من جنوب ووسط العراق نحو مناطق أخرى، بما في ذلك إقليم كوردستان.

وأقرت السفيرة بأن إدارة المياه كانت مجالاً كان بإمكان المشاركة الهولندية أن تلعب فيه دوراً أقوى، مع التأكيد على ضرورة أن يعطي العراق الأولوية لسياسة المناخ، ومكافحة التلوث، والتخطيط الحضري، والزراعة، وتوظيف الشباب. وتتطلب السياسة الفعالة التنسيق بين الحكومة الاتحادية ومحافظات، وإصلاحاً زراعياً، وتحسين إدارة المياه، ودبلوماسية مستمرة مع الدول الواقعة في أعلى مجرى الأنهار.

وتزيد البيئة الإقليمية الأوسع نطاقاً من تعقيد موقف العراق. وناقش المشاركون المخاطر المرتبطة بالتوترات بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، والعواقب المترتبة على ذلك في مجالات الطاقة والتجارة والأمن الغذائي والملاحة البحرية. وأشارت السفيرة إلى أن العراق تمكن من تجنب التورط بشكل أعمق في التصعيد الأخير بشكل أفضل مما كان متوقعاً، لكنه حذر من أن أي إغلاق لمضيق هرمز سيكون له عواقب وخيمة.

من إدارة الأزمات إلى توطيد المؤسسات

أظهر النقاش أن العراق وإقليم كوردستان يمران بمرحلتين متداخلتين. فقد انقضت حالة الطوارئ المباشرة التي تسببت فيها تنظيم داعش، لكن مرحلة التعافي المؤسسي لا تزال غير مكتملة. فالحالة الأمنية قد تحسنت، لكن الحوكمة لم تواكب هذا التحسن. ولا يزال الشركاء الدوليون ملتزمين، لكن مشاركتهم تتسم بالتشتت. وقد عانى المواطنون من أزمات متكررة، لكن الكثيرين منهم ما زالوا يفتقرون إلى الثقة في المستقبل.

بالنسبة لبغداد، تتمثل الرسالة الرئيسية في تحمل المسؤولية عن المشاكل الوطنية التي طالما تم إحالتها إلى الجهات المانحة مثل وكالات الأمم المتحدة أو الهيئات دون الحكومية. وتشمل هذه المشاكل النزوح، وقضية سنجار، والتكيف مع تغير المناخ، والخدمات العامة، والحماية الاجتماعية، وإصلاح قطاع الأمن. أما بالنسبة لحكومة إقليم كوردستان، فإن الأولوية تتمثل في استعادة الأداء المؤسسي، وإعادة بناء ثقة الجمهور، والتغلب على انقسام الأحزاب، والتعامل مع بغداد بمزيد من الانسجام والمهنية. أما بالنسبة للشركاء الأوروبيين، فإن التحدي يكمن في مواصلة الانخراط بعد انتهاء المرحلة الانتقالية للتحالف، مع تعزيز ظهورهم واتباع نهج استراتيجي واتساق سياسي أكبر.

وبالتالي، فإن التحدي الرئيسي الذي يواجه العراق لا يقتصر على كيفية النجاة من الأزمة المقبلة فحسب، بل يتعدى ذلك إلى قدرته على بناء مؤسسات قوية بما يكفي لمنع الأزمات المتكررة من تحديد مستقبله. فالبلد لا يفتقر إلى تشخيص المشاكل، بل يفتقر إلى التطبيق والمساءلة والقيادة التي تركز على المصالح طويلة الأمد للمواطنين.

تاريخ الحوار: 15 تموز/يوليو 2026

*باستثناء الاقتباسات المنسوبة إلى السفير، والتي تم الإدلاء بها خلال الجلسة المفتوحة، فإن جميع التصريحات الأخرى لا تنسب إلى أي مشارك ولا ينبغي إسنادها إلى أي منهم.

Comments are closed.