Back

النظام القائم على القواعد آخذ في الانهيار. فماذا بعد؟

تواجه الهيكلة الأمنية العالمية التي ظهرت بعد عام 1945، والتي يوصف عادةً بأنها «نظام قائم على القواعد»، أكبر اختبار لها منذ الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت الذي تتخلى فيه القوى العظمى عن الدبلوماسية، تبحث القوى المتوسطة عن بدائل قابلة للتطبيق، مما يطرح السؤال التالي: إلى ماذا قد يؤدي ذلك؟

لقد ركز النظام القائم على القواعد على تطوير القانون الدولي وحمايته، إلى جانب إنشاء مؤسسات مثل الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها. وكانت غايته الأساسية هي إضفاء الطابع المؤسسي على المساءلة الدولية ومنع تكرار الفظائع التي شهدتها الحرب العالمية الثانية والصراعات السابقة.

ولتعزيز هذا النظام، أُنشئت شبكة من المؤسسات المالية الدولية، أبرزها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لدعم التنمية الاقتصادية في الدول ذات الدخل المنخفض. ومن خلال تسهيل الوصول إلى رأس المال وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، سعت هذه المؤسسات إلى معالجة الظروف الهيكلية التي قد تؤدي إلى نشوب الصراعات.

وبموجب هذا النظام، تم تشكيل القانون الدولي حول مبادئ أساسية منها: الحق في تقرير المصير، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل، والعمل ضمن الإطار القانوني والمؤسسي لمنظومة الأمم المتحدة.

من وجهة نظر تحليلية، نادراً ما كانت منظمة الأمم المتحدة والنظام القائم على القواعد بشكل عام فعالين في منع النزاعات بشكل قاطع. غير أنهما وفرا إطاراً لتحديد المسؤولية، وفي بعض الحالات، لتحميل الأفراد المسؤولية عن شن الحروب أو ارتكاب الفظائع.

استمر هذا التوتر خلال فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر. و أثناء ”الحرب على الإرهاب”، تدخلت الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وشكلت تحالفات متعددة الجنسيات بهدف التخفيف من رد الفعل الدولي السلبي جزئياً، ولكن دون تفويض صريح من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لكن في الوقت نفسه، نجحت مجموعة 5+1 (روسيا والصين والولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا) في التفاوض على اتفاق تاريخي مع إيران بشأن برنامجها النووي بعد أكثر من عقد من الدبلوماسية [1]. وقد جسد الاتفاق، الذي أقرته الأمم المتحدة ودعمته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الوظيفة الطموحة للنظام القائم على القواعد: تعزيز المساءلة والتعددية والعمل الدولي المنسق.

وأهم الصدمات التي تعرض لها هذا النظام بدأت في عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا [2]. وكان لهذا الحدث تداعيات بالغة الأهمية، لأن الأنظمة الدولية تكون في أضعف حالاتها عندما يتجاهلها صانعوها وضمانوها الرئيسيون، ولا سيما الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (الخمسة الدائمون). وفي مثل هذه الحالات، يصبح انتهاك القواعد ظاهرة منهجية وليس هامشية. وبالنسبة لشبه جزيرة القرم، اعتُبرت تصرفات روسيا على نطاق واسع انتهاكاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي، بما في ذلك وحدة الأراضي وحظر استخدام القوة بموجب ميثاق الأمم المتحدة.

وبشكل أعم، أظهرت الأزمة كيف ينهار النظام القائم على القواعد عندما تتجاهل القوى الكبرى المعايير الأساسية، مثل التسوية السلمية للنزاعات. وقد كشفت الاستجابة المحدودة وغير المباشرة إلى حد كبير من قبل المجتمع الدولي، والتي تمثلت أساساً في فرض عقوبات، عن أوجه قصور النظام، ويمكن القول إنها شجعت على المزيد من الانتهاكات. وعزز الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا الذي تلا ذلك بعد أقل من عقد من الزمن التصور بأن انتهاكات النظام يمكن أن تحدث في ظل عدم كفاية الردع [3]

علاوة على النزاعات بين الدول، خضعت المعايير القانونية الدولية المتعلقة بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي لاختبارات متكررة. ورغم ظهور هذه المعايير استجابةً لحادثة الهولوكوست، إلا أنها فشلت في منع وقوع فظائع مثل حملة «الأنفال» الإبادة الجماعية التي شنها العراق في كردستان في أواخر الثمانينيات [4]. وفي الآونة الأخيرة، وصف بعض المراقبين العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بأنها تشكل أشكالاً من الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي، مما يسلط الضوء على التطبيق المثير للجدل وغير المتكافئ للقانون الإنساني الدولي [5]

والمهم بشكل خاص هو المدى الذي تم فيه تقويض النظام القائم على القواعد من قبل مصممه الرئيسي، ألا وهو الولايات المتحدة. وقد فسّر بعض المحللين مسارات السياسة الأخيرة على أنها تهمش الأمم المتحدة وتضعف الأطر المتعددة الأطراف [6،7]. ويشمل ذلك النقاشات حول الطموحات الإقليمية المحتملة، مثل المقترحات المتجددة للاستحواذ على غرينلاند، والتي تُصاغ أحيانًا في إطار استراتيجي أو أمني، فضلاً عن المواقف التي تبدو متسامحة أو معتادة على التغييرات الإقليمية التي تحققت بالقوة، بما في ذلك احتلال روسيا لأجزاء من أوكرانيا [8-11].

ومن بين الإجراءات المثيرة للجدل الأخرى تلك التي استهدفت القيادة الفنزويلية وفرض العقوبات على أعضاء مؤسسات مثل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية. وكثيراً ما تتعرض منظمة الصحة العالمية، وحتى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، للانتقاد باعتبارها ضعيفة أو مفرطة في الاعتماد على التمويل الأمريكي، لا سيما عندما تختلف مواقفها عن السياسة الأمريكية [12، 13].

تشير هذه التطورات مجتمعة إلى نمط أوسع نطاقاً: التآكل التدريجي للنظام القائم على القواعد، ليس فقط من قبل القوى الإصلاحية، بل أيضاً من قبل تلك التي ساهمت في إنشائه، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى استمراريته وأهميته في المستقبل.

ماذا سيكون التالي؟

بالنسبة للقوى الكبرى، من غير المرجح أن يمر الموقف المتغير للولايات المتحدة دون رد. أحد السيناريوهات المحتملة هو التحول نحو سباق تسلح متعدد الأقطاب على غرار الحرب الباردة، يشارك فيه عدة دول حائزة للأسلحة النووية، بدلاً من المواجهة الثنائية. إن انتهاء أو تآكل الأطر الرئيسية للحد من التسلح، مثل معاهدة تخفيض التسلح الاستراتيجي الجديدة، إلى جانب الطموحات الأمريكية الصريحة لتوسيع القدرات العسكرية، بما في ذلك مبادرات الدفاع الصاروخي المتقدمة مثل ”القبة الذهبية“ المقترحة، يعزز هذا السيناريو المحفوف بالمخاطر [14].

ومن غير المرجح أن تظل هذه الديناميات محصورة في منافسة القوى العظمى. فقد تمتد إلى مناطق هشة بالفعل، لا سيما الشرق الأوسط، حيث دفعت تصورات التهديد تاريخياً إلى توسع عسكري سريع. وتستثمر دول مجلس التعاون الخليجي في أنظمة اعتراض الطائرات بدون طيار، وصواريخ أرض-جو، وقدرات هجومية معززة. وفي الوقت نفسه، تعمل تركيا على تطوير برنامج صناعي دفاعي محلي طموح، وتسارع مصر إلى تطوير تقنيات طائرات بدون طيار وأنظمة دفاع جوي محلية. وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى التكهنات حول تحالف استراتيجي محتمل، يوصف أحياناً بـ ”المحور السني الجديد“، يضم مصر وباكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية [15]. ورغم أن هذا الأمر لا يزال افتراضياً، فإن مثل هذا التكوين سيشير إلى إعادة ترتيب كبيرة لديناميات الأمن الإقليمي.

وبعيداً عن سباق التسلح، فإن الاستبدال التدريجي للنظام القائم على القواعد بنظام يحركه النفوذ بشكل أكثر وضوحاً ينطوي على مخاطر هيكلية أعمق. ففي مثل هذه البيئة، قد يصبح القانون الدولي والمؤسسات الدولية أقل فعاليةً بشكل متزايد كقيود على سلوك الدول. ويؤدي هذا التآكل إلى إضعاف الردع ضد العدوان وتقليص توافر آليات موثوقة لحل النزاعات، مما يزيد من احتمالية نشوب النزاعات بين الدول ومدة استمرارها.

تاريخياً، كانت الأنظمة القائمة على القوة مرتبطة بالتنافس الشديد والحروب المنهجية. ومن شأن العودة إلى مثل هذا النموذج – لا سيما في ظل الظروف المعاصرة التي تتسم بتقدم التكنولوجيات العسكرية، بما في ذلك قدرات الضربات الدقيقة والحرب الإلكترونية والتحديث النووي – أن ترفع المخاطر بشكل كبير. ويكون الأثر التراكمي لذلك نظاماً دولياً أكثر تقلباً وأقل قابلية للتنبؤ، مع عواقب عالمية قد تكون خطيرة ودائمة.

هل يمكن إنقاذ النظام القائم على القواعد؟

أثارت التطورات الأخيرة جدلاً عالمياً، لا سيما بين القوى المتوسطة، التي غالباً ما تكون الأكثر حساسية تجاه تآكل النظام القائم على القواعد. ويكمن في صميم هذا الجدل سؤال جوهري: هل ستظل الدول ترى قيمة كافية في ضبط النفس والعمل الجماعي والشرعية المؤسسية للحفاظ على هذا النظام؟

استجابةً لحالة عدم اليقين المتزايدة، تعمل العديد من القوى المتوسطة على تنويع شراكاتها وإعادة تقييم مواقفها الاستراتيجية للتعامل مع بيئة تتسم بتقلب متزايد. والرأي السائد هو أنه من غير المرجح أن يختفي النظام القائم على القواعد تمامًا، بل سيتطور، وربما يتعزز من خلال إصلاح وتقوية أسسه القانونية والمؤسسية بدلاً من التخلي عنه.

الواقع الهيكلي يعزز هذا المنظور. لا تمتلك أي دولة بمفردها القدرة على الهيمنة أحادية الجانب على النظام الدولي بشكل مستدام، تماماً كما لا يمكن لأي دولة أن تعمل بمعزل عن غيرها دون تكبد تكاليف اقتصادية وسياسية وأمنية كبيرة. الارتباط المتبادل يبقى سمة مميزة للنظام العالمي المعاصر، مما يجعل التعاون ليس اختيارياً بل ضرورياً.

وفي الوقت نفسه، تعتمد استدامة أي نظام عالمي على كيفية توزيع المسؤوليات. فعندما تقع هذه الأعباء بشكل غير متكافئ على عاتق قوة عالمية واحدة، قد تكتسب تلك الدولة نفوذاً هائلاً، في حين تصبح الدول الأخرى أكثر اعتماداً عليها وأكثر عرضة للخطر من الناحية الاستراتيجية. ومن شأن توزيع أكثر توازناً للالتزامات، مستنداً إلى إرادة سياسية حقيقية، أن يعزز شرعية النظام وقدرته على الصمود مع مرور الوقت.

المصادر

  1. European External Action Service, “Nuclear Agreement – JCPOA,” EEAS, accessed April 13, 2026, https://www.eeas.europa.eu/eeas/nuclear-agreement-%E2%80%93-jcpoa_en.
  2. BBC News, “Ukraine Crisis in Maps,” accessed April 13, 2026, https://www.bbc.com/news/world-europe-26644082.
  3. CNN, “Ukraine,” accessed April 13, 2026, https://edition.cnn.com/world/europe/ukraine.
  4. Human Rights Watch, “Genocide in Iraq: The Anfal Campaign Against the Kurds,” 1993, https://www.hrw.org/reports/1993/iraqanfal/ANFALINT.htm.
  5. Human Rights Watch, “Israel’s Crime of Extermination, Acts of Genocide in Gaza,” December 19, 2024, https://www.hrw.org/news/2024/12/19/israels-crime-extermination-acts-genocide-gaza.
  6. “UN Experts Call for Immediate Dismantling of Gaza Humanitarian Foundation,” Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, August 2025, https://www.ohchr.org/en/press-releases/2025/08/un-experts-call-immediate-dismantling-gaza-humanitarian-foundation.
  7. “Charter,” Board of Peace, accessed April 13, 2026, https://boardofpeace.org/charter.
  1. Matthew Olay, “Trump Announces U.S. Military’s Capture of Maduro,” S. Department of Defense, January 3, 2026, https://www.war.gov/News/News-Stories/Article/Article/4370431/trump-announces-us-militarys-capture-of-maduro/.
  2. CNN Politics, “Trump Won’t Rule Out Military Force to Take Greenland,” January 21, 2026, https://edition.cnn.com/2026/01/21/politics/military-force-us-greenland-trump.
  3. “President Donald Trump Meets with Russian President Vladimir Putin at Joint Base Elmendorf Richardson in Anchorage, Alaska,” The White House, August 15, 2025, https://www.whitehouse.gov/gallery/president-donald-trump-meets-with-russian-president-vladimir-putin-at-joint-base-elmendorf-richardson-in-anchorage-alaska/.
  4. Chantelle Lee, “Trump Again Hints at Desire to Annex Canada, Calling Carney ‘Future Governor,’” TIME, March 10, 2026, https://time.com/article/2026/03/10/trump-carney-canada-future-governor-annexation/.
  1. “Imposing Sanctions on the International Criminal Court,” The White House, February 6, 2025, https://www.whitehouse.gov/presidential-actions/2025/02/imposing-sanctions-on-the-international-criminal-court/.
  2. “US Sanctions on Special Rapporteur Francesca Albanese Threaten Human Rights System: UN Experts,” Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, August 8, 2025, https://www.ohchr.org/en/statements/2025/08/us-sanctions-special-rapporteur-francesca-albanese-threaten-human-rights-system.
  3. Chad de Guzman, “China, North Korea, and Russia’s Response to Trump’s ‘Golden Dome’ Proposal,” TIME, May 27, 2025, https://time.com/7288728/golden-dome-trump-north-korea-russia-china-response-space-militarization/.
  4. “Netanyahu Says Israel Will Forge Regional Alliance to Rival ‘Radical Axes,’” Al Jazeera, February 22, 2026, https://www.aljazeera.com/news/2026/2/22/netanyahu-says-israel-will-forge-regional-alliance-to-rival-radical-axis.

الآراء الواردة في هذا المنشور تعکس آراء الكاتب ولا تمثل بالضرورة آراء مٶسسة الشرق الأوسط للبحوث.

Comments are closed.