الملخص التنفيذي
كان اجتماع السنوي الأول بعد التأسيس لمنتدى بلاد الشام والعراق، الذي عقد في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بمثابة نقطة تحول في الحوار السياسي الإقليمي. لقد نقلت المناقشة من السؤال المألوف حول الأسباب التي تجعل التعاون الإقليمي ضرورياً لمواجهة التحدي الأكثر إلحاحاً، الی السؤال حول كيفية تحقيق ذلك التعاون. القصور في مجال الحوكمة، والاستبعاد السياسي، وضعف المؤسسات، والمظالم التي لم تتم تسويتها – ليس القضايا الأمنية وحدها – هی المسببات الرئيسية للهشاشة الإقليمية.
رأى المشاركون أن إعادة بناء شرعية الدولة من خلال الحوكمة الشاملة أمر ضروري للحد من تأثير الجهات الفاعلة المسلحة غير الحكومية. وبدلاً من انتظار التسويات السياسية الشاملة، دعا المنتدى إلى تعاون تدريجي وعملي، يبدأ بمبادرات عابرة للحدود مثل إدارة الحدود ووقف الاتجار غير المشروع لبناء الثقة.
كما ينبغي أن يسير الانتعاش الاقتصادي جنباً إلى جنب مع المصالحة وإصلاح الحوكمة، بينما لا بد من السعي إلى اللامركزية من خلال تصميم مؤسسي ملائم للسياق بدلاً من النقاشات الأيديولوجية حول الفيدرالية. كما تم الإقرار بأن تغير المناخ والأمن المائي يمثلان تحديات أمنية إقليمية مشتركة تتطلب اتخاذ إجراءات جماعية.
فالاستقرار الدائم يعتمد على مؤسسات حكومية أقوى، وحوار مستمر، وإشراك الشباب، وانتهاج إصلاحات عملية محلية تبني الثقة والقدرة على الصمود بمرور الوقت.
ويختتم هذا التقرير بسلسلة من التوصيات السياساتية العملية التي ستظل مؤثرة في ظل الديناميات الإقليمية المتغيرة باستمرار.
التوصيات الناشئة
يطرح “منتدى الشام والعراق” نفسه بوصفه منصة لا تكتفي بتوليد الأفكار، بل تترجمها إلى توصيات جاهزة للتطبيق على مستوى السياسات، وتحافظ على زخم الحوار لفترة كافية تتيح للتقدم التدريجي أن يبني مصداقيته الخاصة. وقد أفرز اجتماع المنتدى لعام 2025 في أربيل، إقلیم كوردستان العراق، عدداً من نقاط التقارب الواسعة التي يمكن أن تسترشد بها السياسات المستقبلية:
- مسار عملي نحو الاستقرار الإقليمي
تبحث المنطقة عن أرضية وسطى بين نموذجين فشلا في تحقيق الاستقرار: (أ) المركزية الصارمة التي كثيراً ما تولّد الإقصاء والنزاع، و(ب) حوكمة مجزأة لكنها مبنية على الامر والتي ترسّخ نفوذ الجهات الفاعلة غير الحكومية (اللا دولة) وتفتح الباب أمام التدخلات الخارجية. وبدلاً من السعي إلى بناء منظومة أمنية إقليمية طموحة في المدى القصير، يُستحسن اعتماد مقاربة متدرّجة تنطلق من تعاون عملي عبر الحدود، وتبني الثقة عبر إنجازات قابلة للقياس، ثم تتطور تدريجياً نحو تنسيق سياسي واقتصادي أعمق يرتكز على حوكمة شمولية ومؤسسات حكومية أكثر رسوخاً.
- إعطاء الأولوية للتنفيذ على الرؤية
على الرغم من أن الرؤى الاستراتيجية موجودة في الغالب، إلا أن الدول تفشل عادةً في مرحلة تنفيذها. لذا، ينبغي أن تركز الجهود السياساتية المستقبلية على الآليات المؤسسية والتشريعية التي تُترجم الحوار إلى أفعال، بما في ذلك صياغة القوانين، وتطوير المؤسسات، وترتيب الإصلاحات بشكل قابل للتطبيق سياسياً.
- بناء الثقة عبر التعاون الوظيفي
يُعدّ التعاون التدريجي القائم على تحقيق نتائج ملموسة الوسيلة الأنجع لتوليد الثقة. وقد جرى تحديد إدارة الحدود، لا سيما التعاون في مكافحة الاقتصادات غير المشروعة مثل تهريب الكبتاغون، بوصفها مجالاً عملياً يمكن أن تمهّد فيه النجاحات المرئية الطريق أمام تعاون سياسي أوسع.
- إخراج التحديات الوجودية المشتركة من دائرة التسييس
إن تغيّر المناخ، والأمن المائي، والتدهور البيئي، مجالات ينبغي أن يبقى التعاون فيها بمنأى عن الخلافات السياسية. وتتيح هذه التحديات العابرة للحدود فرصاً لتجميع الخبرات، وتعزيز التعاون التقني، وترسيخ ثقافة التعاون الإقليمي.
- ربط مبادرات الربط بالحوكمة
ينبغي أن تكون الممرات الاقتصادية ومبادرات الربط الإقليمي مكمّلة لعملية إصلاح الحوكمة والاندماج السياسي، لا بديلاً عنهما. فمن غير المرجح أن تحقق الاستثمارات في البنى التحتية استقراراً دائماً ما لم تواكبها عقود اجتماعية حقيقية، كما أن الربط وحده لا يمكن أن يتغلب على الإقصاء وضعف الحوكمة والتهميش، وهي عوامل تغذّي التطرف وعودة صعود الفاعلين غير الحكومية.
- السعي إلى لامركزية عملية في سوريا
بدلاً من الانشغال بجدالات المصطلحات، ينبغي أن ينصبّ التركيز على تصميم نموذج حوكمة لامركزي يستوعب التنوع مع الحفاظ على مبدأ المواطنة المتساوية، والتماسك المؤسسي، ووحدة الدولة. وينبغي أن ينصبّ الاهتمام على التصميم القانوني والإداري أكثر من الانشغال بمصطلحات من قبيل “الفيدرالية”.
- تعزيز الحوار والدبلوماسية
يُعدّ الحوار المستمر في مستوی المسارین الــ 1.5 و 2 بين صنّاع القرار والخبراء التقنيين والأكاديميين والمستشارين أمراً ضرورياً لمعالجة القضايا الحساسة سياسياً، بما فيها اللامركزية، وتقاسم الموارد، والإصلاح الدستوري، والعدالة الانتقالية. وينبغي أن تُصمَّم هذه الآليات على نحو يفضي إلى خيارات سياسية عملية، وأن تحافظ على زخمها بما يتجاوز اللقاءات الآنية المنفردة.
- ربط الاستقرار بالتعافي الإنساني
لا يمكن فصل الاستقرار الإقليمي عن موضوع تهيئة الظروف الكفيلة بعودة اللاجئين عودة آمنة وطوعية وكريمة، وعن وقف التدهور الإنساني المستمر. وللأسف، فقد أدى تراجع المساعدات الدولية في عدد من دول بلاد الشام والعراق إلى تفاقم هشاشة الأوضاع. ولا يمكن تحقيق عودة مستدامة عبر تحسين الوضع الأمني وحده؛ إذ يتطلب الأمر أيضاً توفير فرص اقتصادية، ومؤسسات فاعلة، وخدمات عامة موثوقة، وحوكمة خاضعة للمساءلة، واستمرار الدعم الدولي لمعالجة الأسباب الجذرية للنزوح وتمكين إعادة الاندماج على المدى الطويل.
***
حول المؤسسة
مؤسسة الشرق الاوسط للبحوث هي مؤسسة بحثية مصنفة دولیا بالرائدة في العراق، تعمل في مجال الفكر السياسي والبحوث السياساتية. وبصفتها منظمة مستقلة غير ربحية تمول من المنح، تعمل المؤسسة على تعزيز صنع السياسات القائمة على الأدلة، والحكم الديمقراطي، والتنمية المستدامة من خلال البحث، وتحليل السياسات، والحوار، والمشاركة العامة.
تركز أبحاث المؤسسة على العراق، وبلاد الشام، والشرق الأوسط بشكل عام، وتغطي مجالات الحوكمة، وبناء الدولة، والسياسة الخارجية، والأمن الإقليمي، والتعافي بعد النزاعات، والتطرف العنيف، والنزوح، وحقوق الأقليات، وحقوق المرأة، والمجتمع المدني، والعلاقات بين بغداد وأربيل، والتطورات الجيوسياسية الأوسع نطاقاً. ومن خلال منشوراتها والحوارات الخاصة بالسياسات وملتقی الشرق الأوسط السنوي، تجمع المؤسسة صانعي السياسات والدبلوماسيين والأكاديميين وقادة المجتمع المدني لتعزيز النقاش الهادف وإيجاد حلول واقعية للتحديات الملحة في المنطقة.

