Back

الاتحاد الأوروبي والعراق وإقليم كردستان: من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى الشراكة

استضافت مؤسسة الشرق الأوسط للبحوث(ميري) جلسة حوار سياساتية شارك فيها كليمنس سيمتنر، سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق، ورادو بوتوم، رئيس مكتب علاقات الاتحاد الأوروبي في أربيل، وذلك بمناسبة اختتام بوتوم فترة عمل امتدت عامين في إقليم كوردستان. وجاء المتحدثان إلى النقاش بخبرة طويلة ومعرفة وثيقة بالإقليم؛ إذ سبق للسفير سيمتنر أن شغل منصب القنصل العام لألمانيا في أربيل بين عامي 2020 و2022، فيما اختتم بوتوم عامين من العمل والتواصل مع مؤسسات الإقليم ومختلف شرائح المجتمع بصفته رئيساً لمكتب علاقات الاتحاد الأوروبي في أربيل.

وجمعت الفعالية مسؤولين رفيعي المستوى، وممثلين عن الأحزاب السياسية، ودبلوماسيين، ومصرفيين، وصحفيين، وشخصيات من المجتمع المدني. وعُقدت الجلسة الأولى بصورة علنية وقابلة للنسب، في حين خضع الجزء الثاني من النقاش لـقاعدة تشاتام هاوس.* وتناولت المناقشات طيفاً واسعاً من الملفات، من بينها إطار الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وتقليص وجود التحالف الدولي، والهجرة، والإصلاح الاقتصادي، وتوحيد قوات البيشمركة، فضلاً عن العلاقات بين بغداد وأربيل.

إطار للشراكة يبدأ أخيراً في التفعيل

استهل السفير سيمتنر النقاش بالإشارة إلى اتفاقية الشراكة والتعاون التي وُقعت عام 2012، أي قبل عامين من ظهور تنظيم داعش. والاتفاقية واسعة النطاق، إذ تشمل التجارة والصناعة والطاقة إلى جانب موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها، بحسب تعبيره، «لم تُفعّل فعلياً بالشكل الذي كان ينبغي»، في ظل انشغال العراق وشركائه بالحرب على داعش. غير أن اجتماع مجلس التعاون الوزاري الذي عُقد في لوكسمبورغ في أكتوبر/تشرين الأول 2025 شكّل نقطة التحول التي أعادت تنشيط هذا الإطار.

ويتزامن هذا التفعيل، بحسب السفير، مع انتقال مقصود إلى مرحلة جديدة. فعلى مدى عقد كامل، تمحور الانخراط الأوروبي حول تثبيت الاستقرار، من خلال التركيز على المساعدات الإنسانية، وعودة النازحين، وإعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب، وفي مقدمتها الموصل. واليوم، يرى كل من الاتحاد الأوروبي والحكومة العراقية أن هذه المرحلة تقترب من نهايتها. أما البديل، فهو أجندة اقتصادية تُطرح بوصفها عرضاً للشراكة لا وصفة مفروضة، وتنطلق من ضرورة تنويع الاقتصاد العراقي.

وقد حُددت العوائق أمام هذا التحول بوضوح: الاعتماد المفرط على النفط، وتضخم القطاع العام، وضعف الاستثمار الخاص، وتأخر إصلاح القطاع المصرفي، ووجود قوة عاملة شابة تفتقر إلى التدريب الملائم، فضلاً عن الضغوط المناخية والفساد المتجذر. كما أن الاضطرابات الإقليمية، بما فيها التوترات المحيطة بمضيق هرمز، جعلت تأجيل هذا النقاش أكثر صعوبة، وأسهمت، وفق تقييمه، في تعزيز إدراك مختلف الأطراف لأهميته خلال الأشهر الأخيرة.

غير أن الانتقال إلى هذه المرحلة يفرض على المؤسسات العراقية متطلبات أكبر بكثير مما فرضته مرحلة إعادة الإعمار. فتثبيت الاستقرار يعالج النتائج، أما التنمية فتمسّ الأسباب، وبالتالي تمتد إلى الموازنات، وسياسات التوظيف، والأطر التنظيمية، والطريقة التي تُحصَّل بها عائدات الموارد وتُوزع. واللافت أنه ينتظر نحو 250 مشروع قانون استكمال إجراءاتها في مجلس النواب، يرتبط عدد منها بصورة مباشرة بقدرة العراق على جذب الاستثمارات. وقد وجّهت بعثة الاتحاد الأوروبي رسالة إلى رئيس مجلس النواب الجديد حددت فيها مشاريع القوانين التي ترى أنها ذات أهمية خاصة.

أما في القطاع المصرفي، فمن بين نحو سبعين إلى ثمانين مصرفاً عاملاً في العراق، يحتاج معظمها إلى رفع مستوى خدماته والامتثال لمتطلبات أكثر تقدماً، وهو ما يرجح أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تقلص عدد المؤسسات القادرة فعلياً على مواصلة العمل كمصارف.

وفي ما يتعلق بالموارد المالية الأوروبية، طُرحت التوقعات بحذر. فالدورة التمويلية الحالية للاتحاد الأوروبي للفترة 2021–2027 تقترب من نهايتها، وقد خُصص الجزء الأكبر من مواردها بالفعل، بينما لا تزال الدورة التالية، الممتدة من 2028 إلى 2034، موضع تفاوض بين الدول الأعضاء.

القيم المشتركة وحدود التقارب

في معرض حديثه عن تجربته في إقليم كوردستان، وصف بوتوم الإقليم بأنه طرف تتقاطع رؤاه إلى حد كبير مع رؤى الاتحاد الأوروبي، ولا سيما على مستوى القيم. وأشار في هذا السياق إلى التعاون في تنفيذ استراتيجية الإقليم لحقوق الإنسان عقب الاستعراض الدوري الشامل لهذا العام.

كما أشار إلى قدر من التشابه في المواقف الأمنية؛ فإقليم كوردستان يؤكد باستمرار أنه ليس طرفاً في الصراع الإقليمي الأوسع، في وقت يواجه فيه الاتحاد الأوروبي بدوره استفزازات وتحديات على حدوده، ويتخذ موقفاً مشابهاً، وقد أعلن بوضوح دعمه لهذا التوجه.

وأوضح بوتوم أن الحضور الأوروبي في أربيل يتكون من عدة أذرع متكاملة: مكتب ارتباط الاتحاد الأوروبي، وبعثة الاتحاد الأوروبي الاستشارية التي تعمل في مجالات إصلاح قطاع الأمن ومكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، إلى جانب مكتب إنساني يركز على النازحين والفئات الهشة والأقليات.

لكن التقارب في القيم لا يعني بالضرورة تقارباً مماثلاً على مستوى المؤسسات. فالالتزامات المشتركة تجاه الحقوق والتعددية في إقليم كوردستان تتعايش في الوقت ذاته مع غياب الدستور، وقوات أمنية لم تستكمل عملية توحيدها، وتسوية سياسية داخلية لا تزال معلقة.

نزع السلاح وغياب المسار السياسي

في ما يتعلق بالجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، كان موقف السفير واضحاً على مستوى المبدأ: ينبغي للدولة أن تحتكر السيطرة الكاملة على السلاح، فيما وصف الهجمات على السفارات والقنصليات والمنشآت الحكومية ومنازل السياسيين الكورد بأنها “غير مقبولة إطلاقاً.”

غير أنه كان واضحاً بالقدر نفسه في التأكيد أن المبدأ وحده لا يشكل بديلاً عن وجود مسار سياسي. ففهم الظروف التي نشأت فيها هذه الجماعات، بما في ذلك التاريخ الطويل من تهميش الشيعة الذي تستند إليه بعض تلك الجماعات في تبرير أفعالها، لا يعني تبرير تواجد هذه الجهات. كما أن بعض هذه الفصائل، بحسب ما طُرح في النقاش، تخضع بوضوح لتوجيه إيراني.

لكن تجارب نزع السلاح في مناطق أخرى من العالم أظهرت أن العملية تحتاج إلى اتفاق سياسي بين مختلف الأطراف حول الهدف النهائي منها، وهو اتفاق غير متوافر حالياً في العراق. ووفق قراءة السفير، باتت الحكومة الاتحادية تنظر إلى موعد 30 سبتمبر/أيلول باعتباره بداية للعملية، لا موعداً لنهايتها.

وهناك تسلسل معترف به دولياً في العملية حل الجماعات المسلحة: نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وقد عُرضت الخبرات الأوروبية في هذا المجال على العراق مراراً. إلا أن العنصر الثالث، أي إعادة الإدماج، يبدو غائباً بصورة لافتة في التخطيط العراقي المطروح. فالنهج الحالي يبدو أقرب إلى حل الجماعات بوصفها وحدات تنظيمية، واستيعاب بعض أفرادها في القوات النظامية، وإحالة البقية إلى التقاعد، مع غياب شبه كامل لبرامج إعادة تدريب المقاتلين وتأهيلهم للعمل المدني.

وهذه فجوة تستحق التوقف عندها؛ إذ إن نقل الأفراد إلى مؤسسات أخرى أو منحهم رواتب تقاعدية يعيد توزيعهم إدارياً، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الولاءات التي تمنح الجماعات المسلحة فائدتها السياسية.

فراغ لا ينبغي ملؤه

مع اقتراب مهمة التحالف الدولي ضد داعش من نهايتها، تكرر السؤال خلال الجلسة عما إذا كانت أوروبا ستتقدم لملء الفراغ الذي قد تتركه الولايات المتحدة. إلا أن السفير سيمتنر رفض هذا الطرح من أساسه.

فأوروبا تدرك جيداً أنها تتحمل بصورة مباشرة جانباً من تداعيات عدم الاستقرار في العراق، سواء عبر الهجرة أو الإرهاب، وترى أن الدول الأوروبية أثبتت التزامها تجاه العراق. لكن في ما يتعلق بفكرة الحلول محل الولايات المتحدة، كان موقفه واضحاً: “لا أرى ذلك.”

وتسعى الحكومة العراقية إلى ترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، في حين تستند الجماعات المسلحة في جانب من مبررات وجودها إلى حضور القوات الأجنبية. ومن ثم، فإن الإعلان عن رحيل القوات الأميركية ليحل محلها جنود أوروبيون لن يؤدي، في نظره، سوى إلى إعادة منح تلك الجماعات الحجة نفسها التي تستند إليها.

وفي حديثه عن وجود حلف شمال الأطلسي، أشار السفير إلى الدور الأساسي الذي تضطلع به الولايات المتحدة في توفير البنية التحتية والقدرات التي تعتمد عليها العمليات، بما في ذلك النقل الجوي، والاستخبارات، والمراقبة، والخدمات اللوجستية، وأنظمة القيادة، بينما تسهم الدول الأوروبية بقوات تعمل ضمن هذا الإطار.

وبصورة أوسع، باتت الدول الأوروبية تستجيب للمتغيرات الأمنية عبر زيادات كبيرة في الإنفاق الدفاعي وبرامج مشتركة لبناء القدرات، مدفوعة بدرجة أساسية بالحرب في أوكرانيا.

وجاء إنهاء مهمة التحالف بناءً على طلب العراق، وفي سياق مسعى أوسع للتخلص من ترتيبات كانت توحي بشكل من أشكال الوصاية الأجنبية. وقد أعلن العراق تحمله المسؤولية الكاملة عن أمنه، وقطع شوطاً مهماً في بناء القدرات اللازمة لذلك. غير أن الإحساس بالحماية الذي كان يمنحه وجود أفراد أجانب يرتدون الزي العسكري، وهو إحساس كان ملموساً بصورة خاصة في إقليم كوردستان، لا يملك حتى الآن بديلاً واضحاً.

الهجرة: عَرَض لمشكلة أعمق وليست مجرد قضية حدود

نوقشت الهجرة باعتبارها قضية تتعلق بالحكم وإدارة الدولة أكثر من كونها مجرد قضية حدود. فعلى الرغم من الانخفاض الكبير في عدد الطلبات المقدمة من العراقيين، ظل العراق في عام 2024 ثاني أكبر بلد منشأ للمتقدمين في إحدى الدول الأوروبية.

وتنطلق البعثات الأوروبية في عملها من تقدير مفاده أن ثلاثة أرباع هؤلاء المتقدمين أو أكثر ينحدرون من إقليم كوردستان، مع تكرار الإشارة إلى زاخو وجمجمال ورانية بوصفها مناطق منشأ رئيسية.

أما الاقتراح القائل إن الهجرة القانونية القائمة على عقود عمل يمكن أن تحل محل الهجرة غير النظامية، فقد قوبل بتفهم، ولكن أيضاً بقدر كبير من التحفظ. فهذا النوع من البرامج يقع ضمن اختصاص الدول الأوروبية منفردة وليس ضمن صلاحيات الاتحاد الأوروبي، كما أن سجل ما يعرف بـالهجرة الدائرية لا يبدو مشجعاً إذا كان الهدف إقامة نظام يضمن عودة المهاجرين القانونيين على المدى الطويل بما يمنع استنزاف الكفاءات.

فقد واجهت برامج سابقة للهجرة الدائرية شملت تونس وفيتنام صعوبات كبيرة، لأن ضمان حصول العائدين على وظائف بعد سنوات من عودتهم أثبت أنه أمر بالغ التعقيد من الناحية الإدارية.

وفي خلفية هذه الظاهرة غالباً ما توجد فجوة بين الطموحات والمهارات ومتطلبات سوق العمل. فمن المألوف في العراق رؤية خريجين يتظاهرون للمطالبة بوظائف في القطاع العام، في وقت تؤكد فيه الوزارات عدم وجود تلك الوظائف، بينما تعتمد مواقع البناء في الوقت نفسه بصورة شبه كاملة على عمالة أجنبية.

وتعكس البرامج الأوروبية هذه القراءة للمشكلة، إذ تركز على دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتطوير المهارات الرقمية والخضراء، إلى جانب مبادرات مثل مشروع MOVE في دهوك، الذي يربط التدريب باحتياجات سوق العمل.

أما قضية اللاجئين السوريين في الإقليم، فقد طُرحت من الزاوية المعاكسة. فمساهمتهم في سوق العمل كبيرة، والعودة القسرية ليست قانونية ولا عملية، فيما تركز الجهود الأوروبية على تسهيل إجراءات التوثيق والتحقق، انطلاقاً من منطق بسيط مفاده أن الأفراد لا يستطيعون اتخاذ قرار بالعودة إلى ديارهم ما لم تستقر أوضاع تلك الديار أولاً.

كردستان: الشرعية والصوت السياسي ومشكلة الثقة

كان بوتوم حذراً في صياغته، لكنه واضح في توصيف الوضع الداخلي في الإقليم. فالاتحاد الأوروبي لا يملي حلولاً، إلا أن الأولوية، في ظل بقاء عدة سيناريوهات مفتوحة، تتمثل في إرساء قدر من القدرة على التنبؤ والاستقرار على المستوى السياسي الداخلي، وهي مسؤولية تقع على عاتق سلطات الإقليم نفسها.

وقد أُجريت الانتخابات قبل عامين، فيما بات هامش الوقت المتاح بعدها أضيق، وأصبحت الحاجة إلى الاستقرار والشرعية، بمعناهما الفعلي، أكثر إلحاحاً. وتمحورت حجته حول التماسك الاجتماعي؛ فالمؤسسات التي تتمتع بالشرعية تسهم في صونه، بينما يهدده استمرار حالة عدم اليقين.

واعتبر أن أهم ما يمتلكه الإقليم من موارد هو سكانه الشباب والقادرون، وأن المهمة الأساسية تتمثل في توفير الظروف التي تسمح لهم بتحقيق أقصى استفادة من الفرص الموجودة في موطنهم.

من جانبه، قدّم السفير سيمتنر ملاحظة تاريخية ذات دلالة سياسية واضحة. فعندما بدأ العمل على الملف العراقي عام 2008، كانت التقارير تصف الكرد بصورة شبه دائمة بأنهم صانعو الملوك في بغداد. أما اليوم، فلم يعد يرى هذا الوصف في التقارير، وأرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى تراجع مستوى التعاون بين الحزبين السياسيين الرئيسيين في الإقليم.

ورأى أن من مصلحة الحزبين أن يصل صوتهما إلى بغداد بصورة موحدة، وأن تبادر حكومة إقليم كوردستان إلى التحرك بصورة استباقية في الملفات التي تمثل مصلحة وطنية واضحة.

وضرب مثالاً على ذلك بنظام الجمارك الأسيكودا (ASYCUDA)، المستخدم في نحو تسعين دولة. وفي المقابل، أشار إلى حقيقة أن خط تصدير النفط إلى جيهان يمثل حالياً منفذ الإيرادات العامل الوحيد للعراق.

وفي ملف توحيد قوات البيشمركة، استعاد النقاش حجم الجهود السابقة التي بُذلت في هذا المجال، بما في ذلك الانخراط الألماني والبريطاني والغربي الأوسع، والخطط المفصلة والعمل المنهجي الذي توقف لاحقاً.

ومنذ ذلك الحين جرى توحيد تسع عشرة وحدة، فيما انتهت المهلة المحددة العام الماضي ومُددت لعام إضافي. غير أن تشخيص المشكلة تجاوز قوات البيشمركة نفسها ليشمل أجهزة الاستخبارات والقوات الخاصة التي يحتفظ بها كل من الحزبين بصورة منفصلة. وفي جوهر الأمر، تعود المشكلة إلى غياب الثقة؛ إذ لا يرغب أي من الطرفين في التخلي عن قدرة أمنية قد يحتاج إليها مستقبلاً للدفاع عن موقعه.

وبوسع الشركاء الدوليين تقديم الدعم في المسائل الوظيفية والفنية، لكن الوظيفة لا تتبع الشكل تلقائياً. ومن هنا انتقل النقاش إلى الجماعات المرتبطة بإيران وبعض عناصر التيار الصدري، حيث يمكن حل التنظيمات رسمياً وإعادة توزيع أفرادها داخل مؤسسات أخرى، بينما تظل الولاءات السياسية قائمة على حالها.

وظهرت الإشكالية ذاتها عندما طرح أحد الحضور سؤالاً عن كيفية منع المساعدات الأوروبية المقدمة عبر مؤسسات الدولة من الوصول إلى جهات نجحت أصلاً في اختراق تلك المؤسسات.

وكانت الإجابة صريحة في تحديد حدود القدرة الأوروبية على التحكم بذلك. فالنهج الأوروبي يقوم على العمل مع المؤسسات لا مع الأفراد، كما أن بعثة الاتحاد الأوروبي الاستشارية لا تتعامل مع قوات الحشد الشعبي ضمن برامجها الخاصة بإصلاح قطاع الأمن. ومع ذلك، تبقى قدرة الأوروبيين محدودة على منع مشاركة أفراد بصورة غير مباشرة إذا كان الجانب العراقي هو من اختارهم.

وهنا يظهر الحد الخارجي لما تستطيع الشراكة المؤسسية تحقيقه عندما يكون الاختراق المؤسسي قد وقع بالفعل.

من تثبيت الاستقرار إلى شراكة مؤسسية

يتجه الاتحاد الأوروبي من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى شراكة تنموية في لحظة تهيمن عليها مسألة أساسية لم تُحسم بعد: هل ستتمكن الدولة العراقية من بسط سيطرتها على الجماعات المسلحة التي تعمل خارج نطاقها؟

والطريقة التي ستُحسم بها هذه المسألة ستسهم في تشكيل المسار السياسي، وبيئة الاستثمار، ومصداقية سائر الإصلاحات التي نوقشت خلال الجلسة.

وبالنسبة إلى بغداد، لا يكفي إعلان السيادة؛ بل ينبغي أن تتحول السيادة المعلنة إلى سيادة ممارسة فعلياً. فنزع السلاح من دون اتفاق سياسي، ومن دون عملية حقيقية لإعادة الإدماج، قد ينتج عنه الكثير من الإعلانات، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى احتكار الدولة لاستخدام القوة.

أما بالنسبة إلى حكومة إقليم كوردستان، فقد جاءت الرسالة متسقة في مداخلات المتحدثين: الشرعية والقدرة على أداء الوظائف ليستا مجرد شأناً داخلياً، بل تمثلان أيضاً رصيداً أساسياً للنفوذ الخارجي. وبعد عامين من إجراء الانتخابات، تؤدي التسويات الداخلية غير المحسومة إلى إضعاف صوت الإقليم في بغداد، وتعقيد موقفه أمام الشركاء الأوروبيين، بل وتهديد التماسك الاجتماعي نفسه.

وبالنسبة إلى الشركاء الأوروبيين، يتمثل التحدي في كيفية الحفاظ على دور مؤثر في غياب إطار التحالف الذي كان ينظم جانباً كبيراً من حضورهم في السابق. وهذا يتطلب تنسيقاً وحضوراً سياسياً واضحاً، لا السعي إلى الحلول محل طرف آخر، كما يتطلب إدراك أن الهجرة والاستثمار والأمن والحوكمة ليست قضايا منفصلة، بل أوجه مختلفة لمشكلة واحدة يجري التعامل معها من اتجاهات متعددة.

أما الخيط الناظم للنقاش كله، فقد اختصره السفير بأوضح صيغة: الوظيفة لا تتبع الشكل تلقائياً

فالعراق وإقليم كوردستان لا يعانيان نقصاً في الاتفاقيات أو الاستراتيجيات أو المهل الزمنية أو الهياكل التنظيمية. ما يزال نادراً هو الثقة التي تجعل المؤسسات تعمل على النحو الذي صُممت من أجله؛ وهي، في نهاية المطاف، الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أي شريك خارجي أن يقدمه بالنيابة عنهم.

* عُقدت الجلسة الأولى بصورة علنية وقابلة للنسب. وباستثناء التصريحات التي أدلى بها السفير سيمتنر والسيد بوتوم خلال تلك الجلسة المفتوحة، فإن جميع التصريحات الأخرى الواردة في النص غير منسوبة، ولا ينبغي ربطها بأي من المشاركين.

Comments are closed.