وقوفاً عند موقع المقبرة الجماعية في قرية كوجو، في الذكرى الثانية عشرة للإبادة الجماعية بحق الإيزيديين، أقرّ محافظ نينوى بأن “مازال هناك تقصير من جانب الحكومتين المحلية والاتحادية تجاه أهالي قضاء سنجار”.[i] وقد شكّل هذا التصريح اعترافاً مباشراً على غير المعتاد بإخفاق الدولة في معالجة ملف سنجار بعد سنوات طويلة من تحرير القضاء. والأهم من ذلك أنه جاء بعد أسابيع قليلة فقط من سعي المحافظ نفسه إلى إعادة مكتب قائمقام سنجار بالوكالة، إلى جانب مدير ناحية الشمال (سنوني)، من محافظة دهوك في إقليم كردستان العراق حيث تعمل حالياً، إلى سنجار ذاتها.[ii] وعلى غرار المحاولات السابقة لتطبيع إدارة القضاء، لم تجد هذه الدعوة طريقها إلى التنفيذ، ويعود ذلك في جانب كبير منه إلى رفض “تحالف القضية الإيزيدية”، وهو ائتلاف يضم فاعلين سياسيين ومدنيين إيزيديين، لهذه المحاولة. إذ رأى أعضاؤه أنهم لم يستشاروا حول الأمر، وحذروا من أن قد يفتح نقل المكاتب الطريق أمام عودة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى المشهد السياسي في سنجار.[iii]،[iv]
ويعود هذا الانسداد المزمن إلى فترة سقوط سنجار بيد تنظيم “داعش” عام 2014 وما تلاه من نزوح إدارتها المحلية. ومنذ ذلك الحين، بات القضاء يُدار عبر دعاوى متنافسة ومتداخلة للسلطة، تحظى كل منها بدعم خارجي. وبعد التحرير، أُعيد القائمقام الشرعي إلى منصبه، غير أنه أُبعد مجدداً وحلّت محله إدارة مدعومة من الحشد الشعبي في أعقاب أعمال العنف التي تلت استفتاء تشرين الأول/أكتوبر 2017. وبذلك كانت هناك إدارتان متوازيتان في سنجار لفترة من الزمن: إحداهما غير رسمية استندت إلى حكم أرض الواقع داخل سنجار، واخرى معترف بها رسمياً غير أنها تمارس مهامها من بعيد، من فايدة في إقليم كوردستان العراق.[v]
وقد سعى اتفاق سنجار المبرم بين بغداد وأربيل في تشرين الأول/أكتوبر 2020 إلى معالجة هذه المشكلة، إذ جعل التسمية المشتركة لقائمقام جديد أبرز بنوده الإدارية. غير أن الاتفاق لم يُنفَّذ قط، بعدما رفضت فصائل مسلحة من غير الدولة وفاعلون إيزيديون مساره ومضمونه على حد سواء.[vi] وفي حزيران/يونيو 2024، تدخلت بغداد في اللحظة الأخيرة لتعليق جلسة لمجلس محافظة نينوى كانت قد عُقدت لفرض تعيين مدراء وحدات إدارية ومن ضمنها سنجار. وحين مضى المجلس في جلسته يوم 2 تموز/يوليو 2024 وانتخب سيدو خيري الأحمدي إلى جانب قائممقامين ومدراء نواحٍ آخرين، قاطع الحزب الديمقراطي الكوردستاني العملية وطعن فيها، وهو ما أفرغ الاختيار الجديد من مفعوله.[vii] ثم طعن محافظ نينوى لاحقاً في الآلية القانونية التي اعتمدها المجلس أمام المحكمة ، لكن المحكمة ردّت الطعن في 18 آذار/مارس 2025 وأيدت صحة الإجراءات. ومع ذلك لم يصدر أي مرسوم، وبقيت سنجار — ولا تزال حتى اليوم — من دون قائمقام في منصبه.[viii]،[ix]
ومن الواضح أن الفعل القانوني للتعيين لا يولّد سلطة داخل مشهد سنجار السياسي المجزأ والذي يشهد تدخلات ونفوذ خارجية. فبينما تستطيع المنافسات السياسية أن تفرز فائزين، كما أظهر الأداء الانتخابي المتفوق لتحالف القضية الإيزيدية، فإن التعيينات ومسارات التشاور والأحكام القضائية لا تتحول إلى سلطة يعترف بها الجميع. ونتيجة لذلك، نادراً ما تنضج القرارات الرسمية لتصبح تسويات قابلة للإنفاذ.
التشاور لا يمنح السلطة
يفشل العلاج المعتاد المتمثل في “استشارة ممثلي الإيزيديين” لسبب بنيوي لا إجرائي. فعلى مدى معظم العقد الماضي، لم تحظَ أي جهة بمفردها بتفويض غير متنازع عليه للتحدث باسم إيزيديي سنجار. وتشكّل “لجنة تنسيقية سنجار” المثال الأوضح على ذلك؛ إذ أُنشئت لسدّ فراغ تمثيلي، وضمّت فاعلين رسميين ووجهاء محليين وممثلين عن الأحزاب المحلية، وسرعان ما تحولت إلى القناة التي تستطيع الجهات الحكومية عبرها أن تدّعي حيازة القبول المحلي في القضايا الحساسة. غير أن قلة من الإيزيديين وسواهم من أهالي سنجار كانوا على علم بوجود اللجنة أصلاً.[xi] وربما وفّر التعامل مع اللجنة ادعاءً بالشرعية للسلطات في بغداد، لكنه لم ينقل تلك الشرعية إلى مجتمعات سنجار.
وهنا يكمن الضعف الجوهري في التمثيل بالتعيين: فهو ينتج محاوراً تستطيع السلطات استشارته، لا محاوراً يعترف به الأهالي أو يقبلون بأن يتحدث نيابة عنهم. والنتيجة ليست توافقاً، بل تكاثر الادعاءات بالتمثيل، وكل واحد منها عرضة للطعن على نحو قد يعمّق العجز في الشرعية الذي وُجد أصلاً لمعالجته.
وقد سقط اتفاق سنجار لعام 2020 في الاختبار نفسه، لكن على نطاق أوسع. فمن الشائع القول إن ممثلي المكونات القومية والدينية في سنجار لم يُشركوا في المفاوضات التي سبقت إبرام الاتفاق. وقد خلص استطلاع شمل 656 من المقيمين والنازحين، أجرته مؤسسة الشرق الأوسط للأبحاث (ميري)، إلى أن 29% من المستجيبين الإيزيديين و77% من المستجيبين العرب السنة لم يسمعوا بالاتفاق أو ببنوده.[xii]
وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تفوّق تحالف القضية الإيزيدية على الحزب الديمقراطي الكردستاني في سنجار بحصوله على 49,211 صوتاً. وبذلك برز، للمرة الأولى منذ عام 2014، تفويض سياسي إيزيدي قابل للقياس. ومع ذلك، ما زال البحث عن الاعتراف المحلي يجري عبر محاورين معيّنين، ولا يزال القضاء من دون قائمقام في منصبه.
مخرج يتجاوز التشاور
في سنجار التي تعاني مجتمعاتها من ضعف في التماسك الاجتماعي ومصاعب في نيل ومنح الاعتراف بعضها لبعض، لا بد أن تتراكم الشرعية عبر تفاعل ومشاركة متكررة، لا أن تُعلن عبر تنصيب منفرد. وهنا تحديداً تقدّم “منصة أصحاب المصلحة في سنجار”، والتي سيُشار إليها فيما يلي بـ”منصة سنجار»”، والتي أطلقتها مؤسسة ميري، مساراً عملياً إلى الأمام والتخلص من هذه التحديات.
والجدير بالإشارة آن هذه المنصة ليست بديلاً من إجراءات التنصيب الرسمية، ولا هي جهة تملك البتّ في قائمقامية سنجار. فقيمتها تكمن في موضع آخر: قدرتها على إيجاد قاعدة الاعتراف التي تفتقر إليها السلطة الرسمية حالياً. فبجمعها ممثلي المجتمعات المحلية والفاعلين المحليين وسلطات المحافظة في تشاور منتظم ومنظّم حول تقديم الخدمات والاحتياجات الإدارية، تستطيع المنصة أن تبني تدريجياً وحدة مجتمعية وثقة بالمسار الذي تُناقَش عبره القرارات وتُختبر وتُبلَّغ ويُتابَع تنفيذها.
وعليه، فإن نموذج منصة سنجار ينقل السؤال من “من ينبغي استشارته قبل التعيين؟” إلى “ما الآلية الدائمة التي تجعل التشاور ذا مصداقية ومقبولاً مجتمعياً مع مرور الوقت؟”. وهذا التحول بالغ الأهمية. فالتشاور لمرة واحدة يتيح للسلطات انتقاء محاورين مواتين وادعاء القبول المحلي، أما التشاور المنتظم فيُخضع ادعاءات التمثيل لاختبار متكرر. إذ يتعين على الفاعلين العودة إلى الطاولة، والرد على المظالم، والدفاع عن مواقفهم، وإثبات قدرتهم على الإنجاز. والشرعية، بهذا المعنى، لا تُمنح بالحضور وحده، بل تُبنى عبر الاستمرارية والشفافية والاستجابة والمتابعة.
وقد قدّمت المنصة، منذ إطلاقها التجريبي في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، دليلاً على الكيفية التي يمكن أن تعمل بها هذه الآلية عملياً.[xiii] فقد جمعت ممثلين عن مختلف المكونات مع المسؤولين في نينوى، بحضور المحافظ ونائبه ومدراء الخدمات العامة. وأثمر هذا اللقاء الجامع مكاسب قابلة للقياس، أقرّ بها المحافظ وقادة المجتمعات المحلية بوضوح. فقد تزايد استعداد المشاركين للتعاون البنّاء عبر خطوط الانقسام المجتمعي على امتداد جلسات الحوار، وتُرجمت المظالم إلى مطالب خدمية قابلة للتنفيذ في مجالات الطرق والصحة والتعليم والوثائق ودعم الناجيات والناجين.
وينبغي لمحافظة نينوى، بالتنسيق مع بغداد وأربيل، أن تبني على نجاح منصة سنجار وتحوّلها إلى آلية تشاورية دائمة ترتبط بالسلطة التنفيذية في المحافظة وبالدوائر الخدمية المعنية. وينبغي أن يكون تفويضها إجرائياً وموجّهاً لبناء الثقة، أي محصوراً بما يلي: (أ) توفير منبر ذي مصداقية تُسمع من خلاله مظالم المجتمعات المحلية قبل أن تتحول إلى رفض سياسي متصلّب؛ (ب) تحديد الأولويات الإدارية والخدمية ومتابعة تنفيذها؛ (ج) جعل التشاور منتظماً وشفافاً وخاضعاً للمساءلة؛ (د) اختبار ادعاءات التمثيل مع مرور الوقت؛ (هـ) ربط المظالم المحلية بالجهات المسؤولة.
ولن تحلّ هذه الآلية أزمة القائمقامية في الوقت الراهن، لكنها قادرة على تقليص العجز في الشرعية الذي تسبب في إخفاق كل محاولة تعيين، وبالتالي تمهيد الأرض لانتقالات أكثر سلاسة وأكثر مأسسة في المستقبل.
- [i] عبد القادر الدخيل، “فيديو: محافظ نينوى يزور سنجار ويشارك في إحياء الذكرى الثانية عشرة للإبادة الجماعية”، فيديو على فيسبوك، 5 آب/أغسطس 2026، شوهد في 5 آب/أغسطس 2026، https://www.facebook.com/AbdalQaderAlDakhil/videos/2480204145833505/.
- [ii] “أهالي سنجار يرفضون عودة الإدارة المحلية الموالية للحزب الديمقراطي الكردستاني”، كركوك ناو، 16 أيار/مايو 2026، https://kirkuknow.com/en/news/71669.
- [iii] https://x.com/YazidiCause/status/2054505003272765555?s=20
- [iv] https://x.com/murad_ismael/status/2052379601666539801?s=20
- [v] خۆگر وريا ودلاور علاء الدين، الوساطة في حوكمة سنجار: تيسير الحوكمة في سنجار (أربيل: معهد الشرق الأوسط للأبحاث، تشرين الأول/أكتوبر 2025)، https://www.meri-k.org/wp-content/uploads/2025/10/Sinjar-English-Report.pdf.
- [vi] زمكان سليم ورناد منصور، الاستجابة لعدم الاستقرار في قضاء سنجار بالعراق: كيف تحوّلت منطقة نائية في العراق إلى مركز نزاع عابر للحدود، وما يعنيه ذلك لبناء السلام في الشرق الأوسط (لندن: تشاتام هاوس، آذار/مارس 2024)، ص 29-30.
- [vii] أحمد بلا، “مجلس محافظة نينوى ينتخب قائممقام سنجار ويحسم تسعة عشر منصباً آخر”، كركوك ناو، 2 تموز/يوليو 2024.
- [viii] “المحكمة الاتحادية العليا ترد طعن محافظ نينوى بقرارات مجلس المحافظة”، شفق نيوز، 18 آذار/مارس 2025.
- [ix] “صراع سياسي-إداري يعرقل إعادة الإعمار والخدمات ويُبقي أهالي سنجار رهائن لـ’طريق الموت’ إلى دهوك”، شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية، 16 شباط/فبراير 2026.
- المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، مجموع أصوات الأحزاب والائتلافات [ملف PDF]، جمهورية العراق، 2025، شوهد في 5 آب/أغسطس 2026، https://shorturl.at/s05l0.
- [xi] خۆگر وريا ودلاور علاء الدين، الوساطة في حوكمة سنجار: تيسير الحوكمة في سنجار (أربيل: معهد الشرق الأوسط للأبحاث، تشرين الأول/أكتوبر 2025)، https://www.meri-k.org/wp-content/uploads/2025/10/Sinjar-English-Report.pdf.
- [xii] المصدر نفسه.
- [xiii] المصدر نفسه.
للمزيد حول إدارة سنجار، اقرأ تقرير ميري.
***
حول المؤسسة
مؤسسة الشرق الاوسط للبحوث هي مؤسسة بحثية مصنفة دولیا بالرائدة في العراق، تعمل في مجال الفكر السياسي والبحوث السياساتية. وبصفتها منظمة مستقلة غير ربحية تمول من المنح، تعمل المؤسسة على تعزيز صنع السياسات القائمة على الأدلة، والحكم الديمقراطي، والتنمية المستدامة من خلال البحث، وتحليل السياسات، والحوار، والمشاركة العامة.
تركز أبحاث المؤسسة على العراق، وبلاد الشام، والشرق الأوسط بشكل عام، وتغطي مجالات الحوكمة، وبناء الدولة، والسياسة الخارجية، والأمن الإقليمي، والتعافي بعد النزاعات، والتطرف العنيف، والنزوح، وحقوق الأقليات، وحقوق المرأة، والمجتمع المدني، والعلاقات بين بغداد وأربيل، والتطورات الجيوسياسية الأوسع نطاقاً. ومن خلال منشوراتها والحوارات الخاصة بالسياسات وملتقی الشرق الأوسط السنوي، تجمع المؤسسة صانعي السياسات والدبلوماسيين والأكاديميين وقادة المجتمع المدني لتعزيز النقاش الهادف وإيجاد حلول واقعية للتحديات الملحة في المنطقة

